تنمية مناطق الزلزال تستوجب ربط نجاعة الإجراءات بتفعيل “الحكامة والمحاسبة”

في تدبيره لسياسات الأزمة وأجرأة القرارات الصادرة عن أعلى سلطة بالبلاد في أعقاب زلزال الحوز والأقاليم المجاورة، لم ينتظر المغرب كثيرا قبل أن يمرّ إلى “السرعة القصوى” في مسار التفعيل عبر “الشروع في صرف المساعدات الاستعجالية للأسر المتضررة من زلزال ثامن شتنبر في متم شهر شتنبر الجاري”، حسب ما أكده الوزير المنتدب لدى وزيرة الاقتصاد والمالية المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، مساء أمس الجمعة بمجلس النواب.
ولا يحتاج المتابع لتطور الأمور بعد كارثة الزلزال إلى جهد كبير ليستنتجَ أنه في ظرف 15 يوماً فقط توالت اجتماعات جلسات العمل الملكية، موازاة مع انعقاد اجتماعات لجنة بين وزارية أحدِثت خصيصا لتدبير الموضوع، أسفرت عنها قرارات هامة ستحدد مستقبل المنطقة خلال الخمس سنوات المقبلة؛ إلا أن أسئلة محورية كبرى تبرز حول حكامة هذه البرامج وضمان نجاعةٍ افتُقدَت في كثير من البرامج السابقة.
وفي عرض قدمه خلال اجتماع مشترك أمام لجنتيْ المالية بالبرلمان، بسَط وزير الميزانية التدابير والإجراءات التي اتخذتها الحكومة لمواجهة آثار الزلزال المفجع، لافتا إلى أنه “تم التوقيع على اتفاقية بين القطاعات الوزارية المعنية وصندوق الإيداع والتدبير لإيصال هذه المساعدات إلى الساكنة المستهدفة”، كما ذكّر بـ”تخصيص مبلغ 30 ألف درهم لكل أسرة على مدى 12 شهرا”.
التدابير الرسمية المعلن عنها لفائدة منكوبي الزلزال تجلّت، وفق العرض ذاته، في “تخصيص غلاف مالي قدره 22 مليار درهم، تتوزع بين 8 مليارات درهم لتقديم المساعدات الاستعجالية للأسر والمساعدات المالية لإعادة بناء وتأهيل المساكن التي انهارت كليا أو جزئيا، و14 مليار درهم لفك العزلة وضمان الولوجية إلى المناطق المتضررة، وإعادة تأهيل السدود ومحطات المياه المتضررة من الزلزال، والمراكز الصحية والمؤسسات التعليمية، وإنعاش النسيج الاقتصادي المحلي، والحفاظ على الموروث الثقافي والمرافق الدينية”
“تدبير محورُه النتائج”
تعليقاً على الموضوع، قال الطيب أعيس، محلل مالي وخبير محاسباتي، إنه “بعد السرعة التي طبعت تحرّكات الفاعلين الرسميين، لا سيما الجهاز التنفيذي، تفاعلاً مع تدبير آثار “زلزال الحوز”، فإن النجاعة هي الكلمة المفتاح لاستكمال مسار تدبيري ناجح لهذه الفاجعة الأليمة، وضمان استفادة المواطنين المعنيين والمستهدَفين حقيقة بالموارد المالية التي عُبّئت”.
وفي إفادات لجريدة هسبريس الإلكترونية، شدد أعيس على أهمية “اعتماد مقاربة لا تخفى على بال كل مُدبِّر يبتغي النجاح، ومطابقة الوسائل للأهداف المسطّرة”، وتتمثل في ضمان “النجاعة” من خلال “إدارة مثلى للموارد على أساس النتائج gestion axée sur les résultats (GAR) “، مسجلا أنها من أساسيات “التدبير/ التسيير العمومي الجديد أو New Public Management ، كما عُرف في الأدبيات الأمريكية”.
“بلوغ نجاعة البرنامج الواضح، الذي وضع الملك خطوطه البارزة بدقة، يقتضي أن أيّ مسؤول عن تنزيله سيكون معرَّضاَ للمحاسبة والمساءلة بناءً على النتائج المحصل عليها في النهاية”، يورد الخبير الاقتصادي، مؤكدا أن “ذلك صمام ضامن للنجاعة حتى دون تطبيق المراقبة والتتبع وفق المؤشرات الكمّية حسب المعايير المعتمدة”.
كما سجل أن “الإدارة المبنية على نتائج وتقييم واضح تُلازمها الشفافية منذ البداية حتى النهاية”، قبل أن يشيد بـ”تسريع المواكبة، خلال الأسبوع الأول بعد الزلزال، والذي تجاوزنا فيه الصدمة الأولى”، مضيفا أن “وقت العمل حان في ظل اكتمال محاور البرنامج وتفاصيله بوضوح”.
ولفت المحلل المالي الانتباه إلى “حتمية تجنب البيروقراطية وهدر الموارد” كشرط “لازم لتحقيق النجاعة المرجوة في النتائج”، مستحضراً “خطورة الآفات التي رافقت برامج استعجالية سابقة تدخلت في تدبير عدد من المجالات الحساسة (الصحة والتعليم…)”.
قبل أن يستدرك قائلا: “لكن يبدو أن الدولة المغربية بكافة مكوناتها استفادت من تجارب سابقة في تدبير تبعات الأزمات وآثارها، وتدرك جيدا مدى فداحة التسيير العشوائي أو الهادر للموارد”.
وختم تصريحه قائلا: “لا يجب نسيان أننا نعيش زمن الأزمات المتعددة، لذلك لا مجال لتكرار تجارب سابقة حُررت في حقها تقارير سوداء في التسيير المالي، بل وجب الحزم في التعامل، لا سيما مع المنتخبين بمختلف تدرجاتهم الترابية”.
“هامش الخطأ ضيّق”
خيط النجاعة المنشودة في وصول ثمار برنامج تدبير آثار الزلزال إلى مستحقيها التقَطه عبد الخالق التهامي، الخبير في الاقتصاد الاجتماعي، الذي أوضح أن “التخوّف من عدم الوصول إلى الأهداف المسطرة في كل برنامج تنموي، كيفما كان، مَردُّه الهواجس المتجددة عند الحديث عن نجاعة وحكامة الإجراءات العملية التي تتلو كل حادث مأساوي”.
تبعا لذلك، لم يتوان التهامي عن التذكير بأنه “بعد زلزال الحسيمة 2004 سقطت بعض الرؤوس التدبيرية بالمنطقة ومركزيا، بعدما ثبت فشلها في تنمية المناطق المتضررة، مما راكم مشاكل كثيرة وصولا إلى الاحتجاج عام 2016 حين سيحدث زلزال سياسي مشابه إثر تداول أنباء عن عدم رضا من طرف السلطات العليا حينها”.
معطى ثانٍ أثنى عليه أستاذ الاقتصاد الاجتماعي يتمثل في “الوكالة الوطنية التي ستُخلق قريبا من أجل ضمان تتبع ومواكبة تنزيل برنامج مدته خمس سنوات”، معتبرا ذلك دليلا على “حكامة وجدّية ونجاعة المقاربة التدبيرية في أزمة زلزال الحوز 2023”.
ولفت التهامي، في تصريحه لهسبريس، إلى أن “الفارق بين ما سُطّر وأُنجز هو المقياس الذي يسمح بتحديد دقيق وواضح للمسؤوليات بين الفاعلين، كل فيما يَخصّه”، مؤكدا أن “تحديد المسؤوليات يحيل بالتَّبَع على المحاسبة في مراحل مختلفة وليس بَعدياً فقط”.
وتابع قائلا: “في هذه الحالة، وحسب محاور البرنامج المعلن عنه، فإن هامش الخطأ سيكون محدَّدا بدقة تجعل التنصل من المسؤولية صعباً”، مشيرا إلى أن “تراكم التجارب بالنسبة لبلادنا يعطينا ضمانة نجاعة لتنزيل البرنامج الذي يحظى بمتابعة ملكية خاصة”.
واقترح أن يكون “النهوض بالاقتصاد المحلي والأنشطة المدرّة للدخل انطلاقا من بوادر شخصية وليس فقط اعتماداً تاماً على القطاعات الحكومية/ التدبير العمومي، التي يظل من واجبها توفير بنيات تحتية وتنظيم مجالي عصري للقرى والجبال”، مؤكد أن “المبادرة الخاصة الفردية حاسمة بالنسبة لإعادة عجلة الأنشطة الاقتصادية في الأقاليم المتضررة”.
يشار إلى أن الإحصاء الرسمي للأضرار قُدّر في 163 جماعة متضررة من الزلزال، تمثل 68 في المائة من مجموع جماعات المناطق المتضررة، فيما بلغ عدد الدواوير المتضررة 2930 دوارا بساكنة تبلغ 2,8 مليون نسمة، بينما قارب عدد المباني المنهارة 60 ألفا، 32 في المائة منها انهارت كليا.