العرفي يفكك “دسترة المالية والجباية”

يتجاوز المؤلّف الصادر حديثا عن “ريمالد – REMALD”، باللغة الفرنسية، تحت عنوان “Droit constitutionnel FINANCIER ET FISCAL – Étude de droit comparé” للأستاذ حسن العرفي، وهو أستاذ التعليم العالي بجامعة محمد الخامس بالرباط، كلية الحقوق-أكدال، كما يتولى تنسيق ماستر “المالية العامة والضرائب”، وإدارة مجموعة البحث في الإدارة والمالية العامة (GRAFIP)، “القراءةَ التقنية-الإدارية” الصرفة، ليسبرَ أغوارا جديدة يتيحها النظر في البعد الدستوري للقانون المالي والجبائي.
وأكد العرفي، وفق ما طالعته هسبريس في تقديم الكتاب، أن “القانون المالي والضريبي لا يمكن اختزاله في مجرد امتداد تقني للقانون العام، بل يمثل، على العكس من ذلك، نقطة التقاء حقيقية بين القانون والاقتصاد والديمقراطية”، موضحا أن “رهانات أساسية تتجلى فيه وتتعلق بالسيادة، والعدالة الجبائية، والمسؤولية الميزانياتية، التي لا تقع مسؤولية تنفيذها على عاتق المشرّع والقاضي ومؤسسات الرقابة فحسب، بل وعلى المواطنين أنفسهم، وذلك في إطار حكامة عمومية تخضع لسلطة الدستور”.
ومع أن الأحكام الدستورية المتعلقة بالمالية العامة قد تبدو، للوهلة الأولى، “مقتضبة للغاية”، بحسب مؤسس ومدير مجلة الدراسات في المالية العامة (REFIP)، إلّا أنه يستدرك بأن “هذا الإيجاز الظاهري يخفي كثافة معيارية تثير نقاشات وتساؤلات، بل وشبهات حول التجاوز، مما يستدعي تفسيرا قضائيا معمقا، يتولاه بالدرجة الأولى القاضي الدستوري”.
وتابع في تقديم كتابه: “هذا الأخير يجد نفسه أمام تحدِّ مزدوج: ملاءمة تطبيق هذه القواعد مع الخصوصيات السياقية، ومنع أي خطر لإنكار العدالة الدستورية”.
وفق الأستاذ المختص، يَظهر هذا الدور بشكل أكثر حسما مع اقتراب دخول آلية “الدفع بعدم الدستورية” حيز التنفيذ في المغرب، التي ستتيح للمتقاضين إمكانية الاحتكام المباشر للدستور.
وحسب ما استقرأته الجريدة، تستند التحليلات الواردة في هذا الكتاب إلى “دعامة مزدوجة”: فحص مقارَن لـ 18 دستورا، ودراسة أكثر من 190 قرارا قضائيا تتعلق بالمالية العامة، تم رصدها عبر عملية واسعة النطاق للمقارنة الدولية (Benchmarking).
وخلُص العرفي إلى أن “الكتاب (الذي سيرى النور أيضا في نسخة باللغة العربية ستصدر لاحقا) لا يهدف إلى تقديم إجابات نهائية، بقدر ما يسعى إلى فتح فضاء للتفكير النقدي والاستشرافي حول الرهانات الدستورية للقانون المالي والضريبي، من خلال تقاطع التجربة المغربية مع الأنظمة القانونية الأخرى”.
من الناحية المنهجية، ينقسم الكتاب إلى أربعة أقسام (كتُب) كبرى.
فبينما يعالج الكتاب الأول “الارتكاز الدستوري للمالية العامة”، يغوص الثاني في “تكريس المبادئ الدستورية لمالية الدولة”. أما الكتاب الثالث فيهم “التأطير الدستوري للمالية المحلية”، ويتناول الكتاب الرابع “الحماية الدستورية للمبادئ الأساسية للضريبة”.
في مؤلفه الجديد المعنون “القانون الدستوري المالي والجبائي: دراسة في القانون المقارن”، يقدم أستاذ المالية العمومية بجامعة محمد الخامس بالرباط حسن العرفي معالجة علمية معمقة لإحدى أكثر القضايا حساسية في الفكر القانوني المعاصر، وهي “العلاقة بين الدستور والمالية العمومية والجباية”.
وقد صدر هذا العمل بتمهيدٍ صاغَه محمد الأمين بن عبد الله، رئيس المحكمة الدستورية حاليا عضو أكاديمية المملكة، بما يضفي على الكتاب “قيمة علمية ومؤسساتية خاصة”، وفق معطيات توصلت بها هسبريس من الكاتب.
وينطلق الكتاب من فرضية مركزية مفادها أن الموارد المالية والضريبية لم تعد مجرد أدوات تقنية لتدبير الميزانية، بل أصبحت تعبيرا مباشرا عن الخيارات الديمقراطية والسياسية للدولة وعن تصورها للعدالة الاجتماعية وتوزيع الأعباء العمومية.
وبحسب المصدر نفسه، يكشف المؤلف “كيف انتقل المجال المالي والجبائي من دائرة التنظيم الإداري والتقني إلى مجال المعيارية الدستورية، من خلال تكريس مبادئ الشفافية والصدقية الميزانياتية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز الرقابة البرلمانية والقضائية على تنفيذ قوانين المالية”.
كما يعتمد الكتاب “مقاربة مقارنة الأنظمة الدستورية المختلفة”، مبرزا نقاط التقاطع والاختلاف بينها، مؤكدا أن “دسترة المالية العمومية تمثل ظاهرة عالمية فرضتها العولمة الاقتصادية ومتطلبات الحكامة الحديثة”.
