فنون

“السيد لا أحد ضد بوتين”.. فيلم قاد صاحبه إلى خانة “العملاء الأجانب” بروسيا

روسيا تدرج مخرج فيلم “السيد لا أحد ضد بوتين” على قائمة “العملاء الأجانب” وسط تصاعد التوتر

أعلنت وزارة العدل الروسية يوم الجمعة 29 مارس 2026، إدراج المخرج الروسي بافل تالانكين ضمن قائمة “العملاء الأجانب”، وذلك بعد أقل من أسبوعين على فوز فيلمه الوثائقي “السيد لا أحد ضد بوتين” بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم وثائقي طويل. تأتي هذه الخطوة كاشفة عن تصاعد التوتر بين السلطات الروسية وصناع السينما، في ظل تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية المستمرة.

الفيلم، الذي شارك تالانكين في إخراجه مع المخرج ديفيد بورنستين، يعتمد على مواد صُوّرت سراً داخل مدرسة روسية كان تالانكين يعمل بها. وقد لجأ تالانكين إلى تهريب هذه اللقطات خارج البلاد قبل مغادرته روسيا في عام 2024، وذلك بسبب الضغوط المتزايدة عليه.

كاميرا من الداخل تكشف واقع المدارس الروسية

بدأ عرض الفيلم لأول مرة في مهرجان صندانس السينمائي في يناير 2025، حيث نجح في توثيق التغيرات التي شهدتها البيئة التعليمية في روسيا عقب اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022. فقد فرضت برامج “وطنية” إلزامية على المعلمين والطلاب، تضمنت المشاركة في أنشطة داعمة للحرب وتوثيقها.

يسلط الفيلم الضوء على كيفية تحول المدارس إلى أدوات لإعادة إنتاج الرواية الرسمية للدولة، من خلال الدروس اليومية والطقوس المدرسية وزيارات المقاتلين، وصولاً إلى دمج أنشطة ذات طابع عسكري في حياة الطلاب. هذه المشاهد تكشف عن إعادة تشكيل تدريجي لوعي الأطفال داخل مؤسسة تعليمية يفترض بها أن تكون محايدة.

أشادت مجلة “هوليود ريبورتر” بالفيلم، معتبرة أنه يقدم “توثيقاً حميماً لتآكل الأمل داخل المجتمع الروسي”. كما وصف موقع “روجر إيبرت” الفيلم بأنه “متماسك ومؤثر يترك الواقع يتحدث بنفسه”، خاصة في مشاهده المتعلقة بضحايا الحرب.

من جانبها، أشارت صحيفة “الغارديان” البريطانية إلى أن الفيلم “يتتبع مقاومة فرد داخل نظام يزداد سلطوية”، بينما اعتبر موقع “بي أو في ماغازين” أنه “من أبرز الأعمال الوثائقية في العام لطرحه أسئلة حول الدعاية والسلطة”. ومع ذلك، أثار الفيلم أيضاً انتقادات من بعض النقاد حول محدودية نطاقه لاعتماده على موقع واحد، فضلاً عن إثارة تساؤلات أخلاقية بشأن التصوير السري داخل البيئات التعليمية.

على الصعيد الرسمي، اكتفى المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف بالقول إنه لم يشاهد الفيلم، متجنباً التعليق على مضمونه.

مسار جوائز دولي يثير الجدل

انطلق فيلم “السيد لا أحد ضد بوتين” في رحلته الدولية من مهرجان صندانس 2025، حيث نال جائزة لجنة التحكيم الخاصة. وتواصل مساره بالظفر بجائزة بافتا لأفضل فيلم وثائقي، قبل أن يتوج بجائزة الأوسكار في دورتها الثامنة والتسعين عام 2026.

وقد وضع الحضور الدولي للفيلم قضيته في قلب نقاش عالمي حول الحرب والسرد الإعلامي، مما زاد من حساسيته داخل روسيا، حيث يُنظر إلى مثل هذه الأعمال على أنها جزء من صراع أوسع على الرواية.

اعتمد الفيلم على مواد صُوّرت على مدى عامين داخل المؤسسة التعليمية نفسها، مستفيداً من طلب السلطات توثيق الأنشطة، مما أتاح لتالانكين تسجيل لحظات حساسة دون إثارة الشكوك. يقدم العمل مزيجاً من التوثيق المباشر والقصص الإنسانية التي تتقاطع فيها حياة الطلاب والمعلمين مع واقع الحرب.

أثار الفيلم نقاشاً واسعاً حول حدوده الأخلاقية، خاصة فيما يتعلق باستخدام التصوير السري داخل بيئة تعليمية، وهو ما استندت إليه السلطات الروسية في تبريراتها، إلى جانب اتهامه بتعزيز مواقف سلبية تجاه الحكومة والحرب.

“العميل الأجنبي”: تبعات قانونية وقيود مشددة

إدراج تالانكين ضمن قائمة “العملاء الأجانب” يفرض قيوداً قانونية واسعة، منها الإفصاح عن مصادر التمويل ووضع تحذيرات على المواد المنشورة، إضافة إلى رقابة مستمرة على الأنشطة المهنية. وقد توسع استخدام هذا التصنيف في السنوات الأخيرة ليشمل صحفيين وفنانين، في سياق تشديد الرقابة على المجال الإعلامي والثقافي في روسيا منذ اندلاع الحرب.

في المقابل، قدم صناع الفيلم رؤية مختلفة، حيث صرح المخرج ديفيد بورنستين بأن العمل يكشف كيف يمكن “فقدان بلدك عبر أفعال صغيرة من التواطؤ”، بينما دعا تالانكين إلى وقف الحروب “من أجل الأطفال”، في رسالة تعكس البعد الإنساني الذي سعى الفيلم إلى تقديمه.

إلى جانب حالة تالانكين، هناك حالات أخرى لصناع سينما عُوقبوا بسبب مواقف مناهضة للحرب أو للرواية الرسمية. ففي أكتوبر 2022، أدرجت وزارة العدل الروسية المنتج والمخرج ألكسندر رودنيانسكي ضمن قائمة “العملاء الأجانب”، قبل أن يصدر أمر باعتقاله غيابياً في مايو 2023 بتهمة نشر “معلومات كاذبة” عن الجيش الروسي، مما أدى إلى حكم غيابي بالسجن عام 2024.

وامتد هذا المسار إلى مخرجين وثائقيين؛ ففي يونيو 2023، أدرجت الوز نفسها المخرج الوثائقي فيتالي مانسكي ضمن قائمة “العملاء الأجانب” بعد وضعه على قائمة المطلوبين في سبتمبر 2022.

أما الحالة الأكثر حدة، فتعود إلى المخرج الأوكراني أوليغ سينتسوف، الذي حكمت عليه محكمة روسية في أغسطس 2015 بالسجن 20 عاماً بتهم “الإرهاب” و”التآمر” في شبه جزيرة القرم، وهي اتهامات نفاها واعتبرتها منظمات حقوقية ذات دوافع سياسية.

يبقى السؤال حول ما إذا كانت هذه الإجراءات ستؤدي إلى مزيد من التضييق على الحريات الإبداعية في روسيا، وكيف ستؤثر على مستقبل صناعة الأفلام الوثائقية في البلاد.